محمد متولي الشعراوي
509
تفسير الشعراوي
هذه المسألة . . وكان هذا الاختلاف لأن أحدهم يلحظ ملحظا وغيره يلحظ ملحظا آخر وكلاهما يريد الحق . . نأتى للنسخ في القرآن الكريم . . قوم قالوا لا نسخ في القرآن أبدا . . لماذا ؟ لأن النسخ بداء على اللّه . . ما معنى البداء ؟ هو أن تأتى بحكم ثم يأتي التطبيق فيثبت قصور الحكم عن مواجهة القضية فيعدل الحكم . . وهذا محال بالنسبة للّه سبحانه وتعالى . . نقول لهم طبعا هذا المعنى مرفوض ومحال أن يطلق على اللّه تبارك وتعالى . . ولكننا نقول إن النسخ ليس بداء ، وإنما هو إزالة الحكم والمجىء بحكم آخر . . ونقول لهم ساعة حكم اللّه الحكم أولا فهو سبحانه يعلم أن هذا الحكم له وقت محدود ينتهى فيه ثم يحل مكانه حكم جديد . . ولكن الظرف والمعالجة يقتضيان أن يحدث ذلك بالتدريج . . وليس معنى ذلك أن اللّه سبحانه قد حكم بشئ ثم جاء واقع آخر أثبت أن الحكم قاصر فعدل اللّه عن الحكم . . إن هذا غير صحيح . لماذا . . لأنه ساعة حكم اللّه أولا كان يعلم أن الحكم له زمن أو يطبق لفترة . . ثم بعد ذلك ينسخ أو يبدل بحكم آخر . إذن فالمشرع الذي وضع هذا الحكم وضعه على أساس انه سينتهى وسيحل محله حكم جديد . . وليس هذا كواقع البشر . . فأحكام البشر وقوانينهم تعدل لأن واقع التطبيق يثبت قصور الحكم عن مواجهة قضايا الواقع . . لأنه ساعة وضع الناس الحكم علموا أشياء وخفيت عنهم أشياء . . فجاء الواقع ليظهر ما خفى وأصبح الحكم لا بد أن ينسخ أو يعدل . . ولكن الأمر مع اللّه سبحانه وتعالى ليس كذلك . . أمر اللّه جعل الحكم موقوتا ساعة جاء الحكم الأول . مثلا حين وجه اللّه المسلمين إلى بيت المقدس . . أكانت القضية عند اللّه أن القبلة ستبقى إلى بيت المقدس طالما وجد الإسلام وإلى يوم القيامة ؟ ثم بدا له سبحانه وتعالى أن يوجه المسلمين إلى الكعبة ؟ لا . . لم تكن هذه هي الصورة . . ولكن كان في شرع اللّه أن يتوجه المسلمون أولا إلى بيت المقدس فترة ثم بعد ذلك يتوجهون إلى الكعبة إلى يوم القيامة . إذن فالواقع لم يضطر المشرع إلى أن يعدل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة . .